لا مناص من اعتبار أن الاستشراق مؤسسة امبريالية. رافقت الاستعمار الغربي، وكان بمثابة ذرعه الثقافي والفكري وحتى الفني. وهو تعبير يدل على الاتجاه نحو الشرق، لدراسة حضارته وأديانه وثقافته ولغته وآدابه، من خلال أفكار اتسم معظمها بالتعصب، والرغبة في خدمة الاستعمار، وقد برز منذ حملة نابليون بونابرت على مصر سنة 1789، بيد أنه يوجد من يرجعه للحظة الاحتكاك بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني أيام الصليبيين، عن طريق السفارات والرحلات.
ومنذ أن نشر كتاب المفكر الراحل إدوارد سعيد كتابه الشهير “الاستشراق” سنة 1978، اهتم الخطاب الأكاديمي بمسألة الاستشراق، وبدأ في استخدام مصطلح “الاستشراق” للتعبير عن موقف الغرب المتعالي العام والعنصري تماما، تجاه الشعوب غير الأوروبية (مجتمعات الشرق الأوسط وآسيا وشمال إفريقيا). وبحسب ادوارد سعيد فإن الغرب يؤسس هذه المجتمعات على أنها مجتمعات تتسم بالجمود، غير قابلة للتطور، وبالتالي تلفيق رؤية للثقافة الشرقية يمكن دراستها، وتصويرها، وإعادة إنتاجها في خدمة القوة الإمبريالية. وركز سعيد تفكيره حول فكرة أن المجتمع الغربي يعتقد أنه مجتمع متطور وعقلاني ومرن ومتفوق. وهو ما يسمح له برؤية الثقافات والشعوب “الشرقية” على أنها مغرية وتشكل تهديدًا للحضارة الغربية. فالشرق لا يلتقي مع الغرب، يبقى شرقا، والغرب غربا على حد تعبير الرّوائي الانجليزي، “رويارد كيبلينغ”، حامل لواء الاحتلال البريطاني في الهند.
إن الاستشراق حسب ادوارد سعيد: “نمطاً من الإسقاط الغربي على الشرق وإرادة السيطرة عليه”، فهو ينتج مخيلة مزيفة عن الشرق والإنسان الشرقي، بغية تبرير ظاهرة الاستعمار، والغزو .
صحيح أن كثير من المفكرين في الغرب، يعتقدون بأن المستشرق هو “ذلك الباحث الذي يحاول دراسة الشرق وتفهمه، ولن يتأتى له الوصول إلى نتائج سليمة في هذا المضمار ما لم يتقن لغات الشرق”، إلا أن الحقيقة غير ذلك تماما، فكل المستشرقين كانوا في خدمة الاستعمار، وهو من روج فكريا للظاهرة الكولونيالية.
يعتقد المفكر العراقي، عبد الله ابراهيم أن المركزية الغربية صاغت التخيّلات الذهنية، والمشاعر النفسية، والمواقف الثقافية، للرحّالة وكل الذين درسوا الشرق، فدوّنوا انطباعات، وأصدروا أحكاما عن عالم غريب عنهم، وكانت تعوزهم المعرفة التفصيلية بمعتقداته، وعاداته، وأعرافه، وشاعت دعاوى هشّة حوله أبعدت ما ينبغي أن تكون المعرفة المعمّقة به، ويضيف ابراهيم :”ما لبث أن “نما اعتقاد يرى أن الغرب يعرف عن الشرق أكثر مما يعرفه أهل الشرق عن أنفسهم”؛ فمعظم الرحّالة كانوا يحيلون على أعمالهم، باعتبارها مستودعا للمعرفة الحقّة بأهل الصحراء، ولم تكن سوى شذرات مجتزئة من انطباعات متعجّلة، واعتُبر الوصف الغربي هو الصائب، وفضلا عن ذلك، فكثير من الرحّالة، مثل “بيرتون” و”لورنس” و”فيلبي” و”مس بيل” انخرطوا في خدمة الإدارة الاستعمارية. وليس من المستغرب أن تكون كشوفاتهم الجغرافية، وأوصافهم المسهبة للمجتمعات الصحراوية، دليل عمل لتلك الإدارة في بسط نفوذها، وقد تبوّأ بعضهم وظائف رفيعة، وأسهموا في تشكيل الممالك الجديدة في أعقاب الحرب العالمية الأولى”.
لقد كان تأثير هؤلاء المستشرقين كبيرا في الحفاظ على المصالح الإمبراطورية، فرؤيتهم للشرق انتظمت في سياق الرؤية الاستعمارية لعالم وجب معرفته، ثم غزوه، وامتلاكه، وإدراجه في سياق التاريخ الغربي.
ا.ل