هكذا يحتفي الجواجلة بذكرى المولد النبوي الشريف
روبـورتـاجـات وتحـقـيـقـات

هكذا يحتفي الجواجلة بذكرى المولد النبوي الشريف

عادات مقدسة عند العائلات الجيجلية تأبى الزوال

استطلاع: ع. براهيم

تحمل ذكرى الاحتفال النبوي الشريف عادة مقدسة عند العائلات الجيجلية، حيث أنه لكل عائلة برنامج خاص ولها أيضا مجموعة من المأكولات والأطعمة خاصة بهذا اليوم الاحتفالي بمولد خير الخلق محمد المصطفى، إذ يُحيي الجواجلة مجموعة من العادات والتقاليد والشعائر الدينية لترسيخ مجموعة من القيم الأخلاقية للأجيال الصاعدة وذلك باعتباره يوم فرح عارم يسود المعمورة بأكملها، ويجسد الاحتفال بالمناسبة، مظهرا من مظاهر حب الرسول وإجلالا لشخصيته العظيمة في نفوسهم، حتى أصبحت من التراث الشعبي، كما أنه مناسبة من أجل التذكير بالمُثل العليا للإسلام ومعانيه السامية.

الاحتفال بالمولد لمقاومة الاستعمار الفرنسي

وحسب بعض الروايات التاريخية، فإن الاحتفال بالمولد كان مثل المقاومة إبان الاحتلال الفرنسي حيث كان الفرنسيون في الجزائر، يحتفلون بذكرى مولد السيّد المسيح عيسى عليه السلام وكانت تلك الاحتفالات تأخذ أبعادا تبشيرية للديانة المسيحية، أين عمدت السلطات الاستعمارية إلى تقديم الهدايا والمنح للعائلات الجزائرية الفقيرة منها على الخصوص، كما يتم تقديم ألعاب ونوالات إلى الأطفال الجزائريين في المدارس الفرنسية في هذا اليوم.

وقد تفطن الجزائريون إلى هذا المخطط التبشيري الذي تجلّت خطورته أكثر في تأثر كثير من الشباب والأطفال بجو البهجة والفرح الذي تصنعه احتفالات عيد المسيح، وأمام هذا الواقع جاءت فكرة الاحتفال بذكرى مولد النبي صلّى الله عليه وسلم، وقد عمدت العائلات الجزائرية إلى تضخيم الاحتفال بالذكرى إلى الحجم الذي تأتي عليه احتفالات الفرنسيين بعيد المسيح وذلك بهدف التصدي لمخطط الاستعمار الفرنسي الرامي إلى القضاء على الهوية الوطنية الجزائرية.

وبعد الاستقلال ظلّ الجزائريون يحتفلون بذكرى المولد الذي أصبح جزءً هاما من التراث والثقافة الجزائرية ورمزا من رموزها، حيث بات هذا اليوم يمثل طابعا دينيا واجتماعيا، تلتقي فيه الأسر فيما بينها لما لذلك من دور في ترسيخ الروابط والتمسك بالتقاليد الأصيلة والتشبث بالقيم ومنح القدوة للأجيال الناشئة. بالإضافة إلى عادات ومظاهر أخرى للاحتفاء بهذه المناسبة، قد تختلف من منطقة إلى أخرى.

تحضير وجبة عشاء مميزة احتفالا بهذه المناسبة

وفى هذه المناسبة تقوم كل العائلات “الجيجلية” بتحضير عشاء خاص ليلة المولد النبوى الشريف ويكون هذا الأخير مختلفا بحسب عادات وتقاليد كل منطقة، فنجد الدويدة، البركوكس، الكسكس، الشخشوخة، البربوش، الرشتة وغيرها من الأطباق على رأس المائدة باعتبارها الأكلة الأكثر اشتهارا في عدة مناطق بالولاية، والتي تتفنن في تحضيرها ربات البيوت كل على حسب معرفتها بفن الطبخ.

الزرير والطمينة والشموع تُزين سهرات الجواجلة

وفى صبيحة يوم الثاني عشر من ربيع الأول تقوم ربات البيوت بتحضير أطباق حلوى خاصة بالمناسبة والتي تختلف أيضا من منطقة إلى أخرى مثل طبق “الزرير المحبوك”، أما طبق  “الطمينة” فهو يكاد يكون شرطا في هذه المناسبة وعلى الرغم من الاختلافات في بعض المكونات وحتى التسميات من منطقة إلى أخرى، إلاّ أن الأكيد أنها حاضرة على مائدة “الجواجلة” ولا يمكن الاستغناء عنها، فحسب ما جاء على لسان بعض السيدات، فإن الطمينة لا تحتاج إلى مواد كثيرة ليجري تحضيرها إذ يكفي فقط أن يتوفر بالمطبخ السميد من النوع المتوسط الذي يحمص ومن ثمة يخلط بالقليل من السمنة والعسل، وتزين الطمينة بالقرفة وبعض حبات الحلوى والمكسرات التي تعطيها منظرا ومذاقا مختلفا، ومن الأطباق التي تحضر نجد الغرايف، فضلا عن حلوى المقروط وهي من بين الأطباق الأكثر شُهرة في إحياء هذه المناسبة.

الحناء.. زينة المناسبات الدينية

 وفي سياق آخر، لازالت الحناء تصنع الحدث لدى العائلات “الجيجلية” تزامنا مع قدوم المناسبات الدينية، فهي عُرف يرافق تلك الأخيرة تيمنا بالفأل الحسن، بحيث تحضر في الأفراح والمناسبات السعيدة كالمولد النبوي الشريف، عاشوراء، طهارة الأطفال وحتى في الأعراس وعيدي الفطر والأضحى، وتُعد المرأة من أبرز المهتمات بها، حيث تزين بها الأيادي والأرجل فهي إرث عريق تم توارثه عن الأجداد، حيث كُن يضعنها في الليلة التي تسبق حلول المناسبة ويمكثن بها طوال الليل وكلهن فرحا وسعادة بقدوم هذه المناسبة المباركة.

حركية تجارية وانتعاش كبير في بيع الشموع والبخور

حتى بائع الأبخرة والعطور تجد عند باب متجره حركية واضحة، حيث أن الناس يجدون في هذه المناسبة فرصة لاقتناء البخور والعطور الطيبة، وكل أنواع الشموع والفوانيس وهو تقليد عند بعض العائلات، حيث يقدمون هدايا من هذه المنتوجات التي نوفرها لهم كل حسب قدرته المادية.

“المهيبة للمخطوبات” عادة مرتبطة بالمولد

ومن بين أقدم وأشهر العادات المرتبطة بالمناسبات الدينية عموماً نجد عادة “المهيبة” التي لازالت شائعة إلى يومنا هذا، توارثتها العائلات الجزائرية منذ عصور خلت، وتتجاوز ذلك إلى “العُرف” الذي لا يمكن للعريس أو أهله تجاوزه وإلا “اندلعت أزمة بين العائلتين”، وتُعرف “المهيبة” في الموروث الجزائري على أنها “تقدير مالي ومعنوي من العريس وأهله للعروس وأهلها” “وحفر قاعدة صلبة لذلك الرباط المقدس”، وهي العادة التي تجمع أهل العروسين “4 مرات” أخرى قبل حفل الزفاف، حيث تقدر في عيد الفطر، والأضحى، عاشوراء و المولد النبوي الشريف، إذ أنها مرتبطة بمختلف المناسبات الدينية، حيث لاتزال العائلات “الجيجلية” محافظة على هذه العادة القديمة رغم غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، غير أن ذلك لم يمنع زوالها بحكم أنهم متمسكون بعاداتهم التي توارثتها الأجيال منذ القدم، وفي هذا الصدد، أكدت لنا الآنسة (ح.ش) أن العائلات الجيجلية تعطي اهتماما خاصا بالمهيبة، خاصة الفتيات المخطوبات، وذلك لما له من أثر إيجابي عليهن، حيث يقدم العرسان المستقبليين مجموعة من الهدايا إلى بيت الخطيبات، ويكون مقدار هذه الهدايا حسب الإمكانيات المادية التي تتوفر لدى الخطيب، وتختلف الهدايا وتتنوع بحسب الذوق والميزانية، فقد تكون خاتما من ذهب أو سلسلة أو حذاء وبعض مستلزمات الزينة والتجميل كالعطور وأدوات الماكياج، في حين أشارت السيدة (ب.أ) إلى تكرار “المهيبة” أكثر من مرة في السنة، إذ يتوجب على العريس تقديمها في مناسبات عدة غير أن العادة حسبها تبقى عادة مهما كان الوضع المادي ضعيفا، إلا أنها تقدم ولو كانت هدية رمزية فقط.

وبهذا يبقى للمولد النبوى الشريف وطريقة الاحتفال به طابعا وخصوصية ومكانة منفردة في قلوب “الجواجلة”  والأمة الإسلامية عامة، والذي تسعى فيه العائلات إلى الإبقاء على أصالة هذه المناسبة، وعادات وطرق الاحتفال بهذه الذكرى الكريمة إحياءً لمولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لتبقى لها طريقتها الخاصة وعاداتها المتنوعة بتنوع واختلاف المناطق على مستوى كل تراب الوطن.